تستيقظ كل يوم في السادسة صباحا لتجهز الأولاد لليوم الدراسي..تصلي الفجر..تجهز الشطائر وأكواب الحليب .. تضع بعض الشطائر للإفطار والبعض الأخر تلفه ليحمله الأولاد للمدرسة..يتناولون الشطائر و يشربون الحليب ثم يرتدون ثيابهم وأحذيتهم .. يصففون شعرهم ثم يحملون حقائبهم وتودعهم وتغلق الباب وراءهم وتعود إلى الداخل متمنية من قلبها ألا يحمل الصباح أية مفاجآت.
تكون مهمتها مع الأولاد سهلة إذا ما قورنت بمهمتها معه .. مع الأولاد الصراخ مسموح و الاستعجال مسموح و قليل من اللعنات وتقطيب الجبين أيضا مسموح .. أما معه فلا تملك سوى ابتسامة رقيقة وصوت هادئ وتظاهر بأن أمامنا اليوم بطوله .
أحيانا تشعر أنه يتعمد التلكؤ .. يقوم من نومه بتكاسل واضح .. يتناول فطوره بهدوء .. يتحدث كثيرا .. تسأل نفسها هل يتعمد حقا إطالة الحديث أم أنها فقط من يتخيل ذلك .. هل تتعجل خروجه إلى هذا الحد .
تفكر أنه ربما يقرأها ويتعمد حصارها حتى تكف عن التظاهر بأن (كله تمام ) وبأنه ( أمامنا اليوم بطوله ) .. تربكها الفكرة فتنفضها عن رأسها وتعود لتلتقط خيط الحديث الذي يبدو وكأنه سيمتد إلى الأبد.
لماذا لا تخبره فقط وببساطه بأنها في عجلة من أمرها هل تصدق نفسها حقا في انه لا يشعر بتوترها
منذ لحظة نزول الأولاد للمدرسة وحتى نزوله إلى العمل يمر الوقت طويلا..تشعر وكأنها قابلة للاشتعال في أية لحظة.. تسأل نفسها ألف مرة لماذا لا تخبره ببساطة أنها في عجلة من أمرها .. لماذا تصر على التظاهر بأن وجودهما معا ينسيها الدنيا وما فيها .. ينسيها الوقت والعمل ومديرها السمج ( متصيد الأخطاء ) والذي لا يترك مناسبة دون أن يذكرها بأنها الوحيدة بين زملائها التي لا تلتزم بمواعيد الحضور والانصراف .فترد عليه بانفعال بأنها حين تقدمت للعمل أوضحت أنها لن تستطيع الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف .. طبيعة عملها تسمح بذلك ..أوضحت أيضا أنها ستكون ملتزمة فقط بتسليم المشروعات في موعدها وهو شخصيا قبل بذلك .. يقاطعها وعلى وجهه ابتسامة تمقتها ( لا تأخذين كل شئ على أعصابك .. أمزح معك ) .. تلمح في عينيه نظرة شماتة لأنه أستطاع استفزازها وإثارة أعصابها وإفساد يومها.. فتتجاهله وتبدأ العمل .
في منتصف النهار تترك المكتب .. يكون زملائها منهمكين في اعمالهم بينما تحمل هي عملها وتعود إلى البيت حتى لا تتأخر عن الثالثة عصرا قبل موعد عودة الأولاد بنصف ساعة .. تشعر بتهامسهم عليها ولكنها تتجاهلهم ..يتهامسون أو لا يتهامسون لا تملك سوى تجاهلهم .. إما هذا أو تجلس في البيت بلا عمل .. بعد سنوات الدراسة الخمس بكلية الهندسة و الأحلام العريضة تجلس في البيت بلا عمل .. لتحمل وبجدارة لقب ( ربة منزل ) .. لن تقبل .. ستتحمل أي شئ حتى لا تحمل ذلك اللقب الذي يفزعها ويذكرها بفشل حياتها العملية
تنتفض إذا سألها أحدهم ( ربة منزل ؟) تجيب بعصبية مهندسة .. تنظر في أول مرآة تقابلها تتأمل صورتها وتسأل نفسها لماذا اعتقدوا أني ربة منزل هاجمتها منال ذات مرة قائلة ما العيب في ( ربة المنزل ) أنه اختيارك سواء العمل أو الجلوس في البيت لرعاية الأولاد لا دخل لأحد في ذلك
*********
أضافت الملح للصلصة وأضافت قليل من الزعتر ليجعل الاسباجيتي أطعم .. قطعت حبات الفلفل وأضافتها للسلطة الخضراء ثم أضافت ملعقة من زيت الزيتون كما يحب يحي .. يضايقها طعم زيت الزيتون في السلطة الخضراء ولكنها في كل مرة تضيفه بلا تردد.
في تمام الثالثة والنصف يدق جرس الباب .. يعود الأطفال إلى البيت فتعود الفوضى معهم تحتضنهم ثم توبخهم وتلملم أشياءهم المبعثرة .. تحممهم لتزيل عنهم أثر الطريق تلبسهم ملابس نظيفة .. و تنظر إليهم فيمتلئ قلبها بالرغبة في الحياة .. تتأملهم وتقول لنفسها ( لو أني لم أكن في العمل صباحا لكنت أكثر هدوءا وبشاشة .. مقصرة معهم .. كنت عصبية ولم أستقبلهم بود كاف ) .
تمام الرابعة يعود يحي ليجدها واقفة بالمطبخ كما تركها في الصباح.
tadwina-70014772-tadwina



