توقفت السيارة أمام قصر صغير ولكنه فخم وأنيق بواباته الحديدية مرتفعة و مزخرفة بألوان ذهبية يقف عليها حرس كثر يرتدون ملابس أنيقة للغاية .. مظهرهم يلقى الرهبة فى القلوب ... جميعهم متشابهون بقاماتهم الطويلة وبشرتهم السوداء وأكتافهم العريضة يتشابهون حد التطابق يبدو هذا التشابه مخيفا إلى حد كبير ... وقفت الأميرة عند أبواب القصر وقد أنتابتها حاله من التوتر لا تدري هل تدخل أم تطلق ساقيها للريح وتهرب من كل هذا العته والذي لا يبشر بالخير أبدا .. قاطعها بهلول الذي بدا وسط هؤلاء الحرس بقامته القصيرة وجسده النحيف وطريقة سيره المضحكة كمهرج أصيل وحقيقى لا ينقصه سوى قبعة المهرجين .. قاطعها بكلمات لم تفهمها و مضى الى داخل القصر ولحق به جميع من كان فى السيارة فمشت هى الاخرى متجهة الى الداخل ..
لم يكن لقاء كبير المهرجين سهلا فقد أحاطت به هالة كبيرة من الاحترام والتقدير المفتعل والغير حقيقي وبدا الأمر وكأنه منشغل بأمور عظام بينما كانت الأمور هادئة جدا و لم يكن هناك ما يستدعى كل هذا القلق من وجهة نظرها .... كان صبرها قد نفذ تقريبا قبل ان يأتى إليها بهلول وقد تهلل وجه بأن ( الباشا ) في إنتظارها ..
تغير كبير المهرجين كثيرا مظره المهندم والأنيق وبشرته النظيفة اللامعة شعره المصفف بعناية جلسته الوقورة بشكل مفتعل نظراته الخاوية .. كل هذا يوحى بتغير كبير ومنصب عظيم ناله هذا المهرج .. ترى كيف وصل إلى هنا وكيف اصبح بهذا القدر من الأهمية ..
رحب بها ببرود قائلا : تفضلي بالجلوس أيتها الأميرة العزيزة .. يبدو عليك الأرهاق والتعب سأدعوهم ليحضروا لك غرفة تستريحين فيها وتتناولين عشاءك
ولكن قبل ذلك أريد ان اوضح لك بعض الأمور وارجو أن تفهميني جيدا .... ستقيمين معنا هنا فى القصر معززة مكرمة حتى نجد زوجا مناسبا لك فلا تقلقى على أي شئ بعد الأن فكلنا هنا من أجلك .. ولكن لي عندك رجاء مولاتي .. لا داعي لأن يعرف أي من البشر قصتنا وتاريخنا لن يفيد أحد معرفة كيف كنا وكيف أتينا وما إلى ذلك
ترددت الأميرة قليلا قبل أن تسأله : هل لي أن أعرف أولا كيف وصلت أنت وهذا البهلول إلى هنا وكيف أصبحت هكذا ..
وضع كبير المهرجين يده على فمه وكأنه يفكر بعمق و نظرإليها بنظراته الخاوية تلك قبل أن ينطق قائلا :اسمعيني جيدا وأرجو ألا يخرج ما سأقوله لك خارج تلك الحجرة
بعد أن أقنع الأمير مولاى الملك بحملك إلي مصر حيث أمهر الأطباء والسحرة والكهنة ووافق الملك .. رحل الأمير وأنقطعت أخباره
وتغير مولاى الملك كثيرا اصبح حزينا بشكل دائم تقريبا .. وانقطعت الإحتفالات وتوقف الناس عن الإحتفال بالأعياد إحتراما لحزن الملك
ولم يعد لنا عمل تقريبا
وذات يوم خرجت إلى الغابة لأتمشى بها قليلا وكان الملل قد سيطر على تماما .. وبينما أنا أسير بلا هدف ظهر أمامي فجأة رجل تبدو عليه أمارات الحكمة والزهد .... عرفت على الفور أنه أحد العرافين الذين يعيشون في الغابة بعيدا عن الناس .. نظر إليَ الرجل واخذ يتفحصني بنظرات طويلة وطال صمته .. حتى هممت بالإبتعاد عنه والمضى فى طريقي ولكنه إستوقفني قائلا ما هذه الملابس الغريبة التي تلبسها وفيما كل هذه البهرجة التي في مظهرك ولما هذه القبعة الغريبة .. وحين اجبته بكل فخر أنني كبير المهرجين بالقصر الملكي
نظر إلي بإشفاق بالغ وقال لي أيها المسكين ليتك ولدت بعد اربعة ألف عام من الأن .. مسكين أنت وكل من هم مثلك مساكين
فبعد أربعة ألف عام من الأن سيكون للمهرجين شأن عظيم فى كل العالم ستكون الكلمة كلمتهم والعصر عصرهم .. سينتشرون ويسيطرون على كل المجالات وسيستمرون فى إلقاء النكات كما هم لكن نكاتهم لن تضحك من الوهلة الأولى بل ستبكى أولا ثم تضحك من فرط البكاء
سيلقون نكاتهم ثم يتفرجون هم على الناس وعلى تأثير نكاتهم الثقيلةعليهم ... سيلقون النكات ليلهون هم وليس لإلهاء الناس .. سيلقون نكاتهم ليزيدوا من كأبة الناس وليس للتخفيف عنهم .. الأن يظهر المهرجين فى الأعياد والمناسبات السعيدة والإحتفالات أما وقتها سيكون ظهور المهرجين سببا كافيا للغم والهم ..... ولكنهم سيعيشون عيشة الملوك ويعاملون معاملة أصحاب الرأى .. ولسبب ما سيتحمل الناس سخافاتهم ونكاتهم المريعة وغبائهم أيضا .. لسبب ما سيعتبرهم الناس أمرا واقعا ولا أمل في أفضل منهم وسيستسلمون لحكمهم ولوجودهم بهذه الصورة
صدقني أنا مشفق عليك وعلى أمثالك للغاية
زاد كلام العراف من كأبتي وهمي .. لقد خرجت إلى الغابة لعلي أحظى ببعض الترفيه ولكننى عدت مهموما ومكتئبا أكثر مما سبق وأستمر حالي على هذا الوضع لمدة أسابيع ... حتى جاء مرسال من الأمير يحمل رسالة خاصة للملك .. ووصلتني الأخبار بأن المرسال جاء ليخبر الملك أن الأطباء فشلوا تماما فى علاج الأميرة وأن السحر الذي ألقي عليها قد صعب على السحرة فكه .. ولكن ساحر واحد فقط لديه حل لا بأس به .. حل سيحزن الملك والأمير ولكن ليس أمامهم غيره .. سيرسل الساحر شخص واحد أو أثنين على الأكثر إلى زمن وصول الأميرة سيرسلهم قبل ميعاد إستيقاظها بعدة سنوات ليكونوا مستعدين لوصولها ولمساعدتها حين تستيقظ ولكن يشترط في من سيرسلهم ألا يكونوا على علاقة دم بالأميرة و ألا يكونوا من أي بلد أخر غير بلد الأميرة ..
وبالطبع كانت فرصتي لأتي لهذا العصر عصر المهرجين الذهبي .. ذهبت إلى الملك في الحال وأخبرته بما أخبرني به العراف فأرسل الملك في طلب العراف وحين اتى أكد له أنني أفضل رجل لهذه المهمة .. ومن غيري لها .. فوافق الملك وأخترت معي في رحلتي تلك بهلول وحين وصلنا إلى هذا العصر ( عصر المهرجين الذهبي ) .. وجدت الحقيقة أفضل بكثير من كلام العراف .. وكما ترين أنت كيف أصبحت وكيف اصبح وضعي ..
ولكن الأميرة لم تقبل الصمت وأعلنت لكبير المهرجين أنها لن تسكت على مثل هذه المهزلة ..وبأنها ستخرج إلى الشارع الأن وستخبر الجميع بحقيقته .., ولكنه حذرها من أن الناس ستعتبرها مجنونه ولن يصدقها أحد
فأكدت له أنها لا تهتم يكفيها شرفا أنها لم تكتم الحقيقة ولم تخدع نفسها .. حتى وان أتهمها الناس بالجنون فلن يضرها إتهامهم شيئا ولكنها حين تكتم الحقيقه سيظل ضميرها يؤلمها كل يوم ... حتى وإن ماتت بعدها فيكفيها أنها لم تتخازل ولم ترض بهذا الوضع
وفى الحال ضغط كبير المهرجين على أحد الأزرار فجاء بعض من هؤلاء الحرس المتشابهين أنيقي المظهر .. فأمرهم بأخذها وحبسها فى حجرتها والتي كانت معدة لها سابقا .. وأمرهم ألا يدعونها تخرج خارج الحجرة أبدا .. أخذت الأميرة تصرخ وتهدد وتتوعد ولكنها إنتبهت فجأة على صوت مربيتها والتي جاءت مزعورة على صوت صراخها .. حاولت تهدئتها .. حتى أفاقت الأميرة لتكتشف أن ما كانت تعيشه مجرد حلم .. لا لم يكن حلم بل كان كابوسا مرعبا ... قامت الأميرة من نومها وهى سعيدة أنها لم تولد بعد أربعة ألف عام وسعيدة أكثر أنها لن تكون في مصر وقتها .. كان اليوم هو موعد لقائها الأول مع ذلك الأمير المصرى الذي تقدم لخطبتها .. ولكنها قررت أن ترفض لقاءه وترفض الزواج منه .




